ابن قيم الجوزية

131

الروح

( وفي حديث ) محمد بن سلمة ، عن خصيف ، عن مجاهد ، عن البراء ، قال : كنا في جنازة رجل من الأنصار ومعنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فذكر الحديث إلى أن قال : وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « وإذا وضع الكافر أتاه منكر ونكير فيجلسانه فيقولان له : من ربّك ؟ فيقول : لا أدري ، فيقولان له : لا دريت » الحديث وقد تقدم . وبالجملة فعامة من روى حديث البراء بن عازب قال فيه : « وأما الكافر » بالجزم ، وبعضهم قال : « وأما الفاجر » ، وبعضهم قال : « وأما المنافق والمرتاب » ، وهذه اللفظة من شك بعض الرواة هكذا في الحديث لا أدري أي ذلك قال . وأما من ذكر الكافر والفاجر فلم يشك ، ورواية من لم يشك - مع كثرتهم - أولى من رواية من شك - مع انفراده - على أنه لا تناقض بين الروايتين ، فإن المنافق يسأل كما يسأل الكافر والمؤمن فيثبت اللّه أهل الإيمان ويضل اللّه الظالمين وهم الكفار والمنافقون . ( وقد جمع ) أبو سعيد الخدري في حديثه الذي رواه أبو عامر العقدي ، حدثنا عباد بن راشد ، عن داود بن أبي هند ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد ، قال : شهدنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جنازة . فذكر الحديث وقال : « وإن كان كافرا أو منافقا يقول له : ما تقول في هذا الرجل : فيقول : لا أدري » ، وهذا صريح في أن السؤال للكافر والمنافق ، وقول أبي عمر رحمه اللّه : وأما الكافر الجاحد المبطل فليس ممن يسأل عن ربه ودينه ، فيقال له : ليس كذلك بل هو من جملة المسؤولين وأولى بالسؤال من غيره . وقد أخبر اللّه في كتابه أنه يسأل الكافر يوم القيامة ، قال تعالى : وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ما ذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ « 1 » . وقال تعالى فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ « 2 » وقال تعالى : فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ « 3 » فإذا سئلوا يوم القيامة فكيف لا يسألون في قبورهم ؟ ! فليس لما ذكره أبو عمر رحمه اللّه وجه .

--> ( 1 ) سورة القصص ، الآية 65 . ( 2 ) سورة الحجر ، الآية 92 . ( 3 ) سورة الأعراف ، الآية 6 .